العز بن عبد السلام
335
شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال ( ويليه الشجرة في الوعظ )
[ طه : 121 ] ، فزلقا في مزالق وَعَصى [ طه : 121 ] ، واستمسك بغصن رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا [ العراف : 23 ] ، فتدلت عليه ثمار فَتَلَقَّى [ البقرة : 37 ] ، فلما نودي يوم الإشهاد ، على رؤوس الأشهاد أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ [ الأعراف : 172 ] ، فشهد كل على مقدار ما شهد ، وسمع ، ثم اتفق الكل في الإيجاب ، فقالوا - بلى - لكن الاختلاف وقع من حيث الإشهاد ، فمن أشهده جمالية ذاته شهد أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] ، ومن أشهده جمالية صفاته : شهد أنه - لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ - ومن أشهده عرائس مخلوقاته ، اختلفت شهاداتهم ، لاختلاف المشهود ، فقوم جعلوه محدودا ، وقوم جعلوه معدوما ، وقوم جعلوه حجرا جلمودا ، والكل في ذلك على حكم - قُلْ لَنْ يُصِيبَنا - وهو مستبطن في سر كلمة " كن " ، دائر على نقطة دائرتها ، ثابت على أصل حبتها . فلما كانت هذه الحبة بزر شجرة الكون ، وبرز ثمرتها ، ومعنى صورتها ، أحببت أن أجعل للمكون مثالا وللموجود مثالا ، ولما ينتج فيه من الأقوال والأفعال والأحوال منوالا ، فمثلت شجرة نبتت عن أصل حبة " كن " ، وكل ما يحدث في الكون من الحوادث ، كالنقص والزيادة والغيب والشهادة ، والكفر والإيمان ، وما تثمر من الأعمال ، وزكاة الأحوال ، وما يظهر من أزاهير القول ، والتوق " 1 " والذوق ، ولطائف المعارف ، وما تورق به من قربات المقربين ، ومقامات المتقين ، ومنازلات الصديقين ، ومناجاة العارفين ، ومشاهدات المحبين ، كل ذلك من ثمرها الذي أثمرته ، وطلعها الذي أطلعته . فأول ما أنبتت هذه الشجرة التي هي حبة " كن " ثلاثة أغصان : أخذ غصن منها ذات اليمين ، فمنهم أصحاب اليمين . وأخذ غصن منها ذات الشمال [ ومنهم أصحاب الشمال ] " 2 " . ونبت غصن منها معتدل القامة ، على سبيل الاستقامة ، فكان منه السابقون المقربون .
--> ( 1 ) يعني شدة الرغبة والشّوق . ( 2 ) ما بين [ ] زيادة ليست في ( ش ) .